محمد الريشهري

253

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

واعلموا أنّ مجازكم على الصراط ومزالق دَحْضِه ( 1 ) وأهاويل زَلَله ، وتارات أهواله . فاتّقوا الله عبادَ الله تقيّة ذي لبّ شَغَل التفكّرُ قلبَه ، وأنصب الخوفُ بدنَه ، وأسهر التهجُّد غِرار ( 2 ) نومه ، وأظمأ الرجاء هواجر ( 3 ) يومه ، وظَلَف الزهد شهواته ( 4 ) ، وأوجف الذِّكرُ بلسانه ( 5 ) ، وقدَّم الخوف لأمانه ، وتنكّب المَخالِج ( 6 ) عن وَضَح السبيل ، وسلك أقصد المسالك إلى النهج المطلوب ، ولم تفتِله فاتلات الغرور ، ولم تعْمَ عليه مشتبهات الاُمور . ظافراً بفرحة البشرى ، وراحة النُّعمى في أنعم نومه وآمن يومه . قد عَبَر معبر العاجلة حميداً ، وقدّم زاد الآجلة سعيداً . وبادر من وَجَل ، وأكمش ( 7 ) في مَهَل . ورغِب في طَلَب ، وذهب عن هرب ، وراقب في يومه غده ، ونظر قُدُماً أمامه . فكفى بالجنّة ثواباً ونوالاً ، وكفى بالنار عقاباً ووَبالاً ! وكفى بالله منتقماً ونصيراً ! وكفى بالكتاب حجيجاً وخصيماً ! أُوصيكم بتقوى الله الذي أعذر بما أنذر ، واحتجّ بما نَهَج ، وحذّركم عدوّاً نفذ في الصدور خفيّاً ، ونفث في الآذان نجيّاً ( 8 ) ؛ فأضلّ وأردى ، ووعد فمنّى ، وزيّن سيّئات الجرائم ، وهوّن موبقات العظائم . حتى إذا استدرج قرينته ( 9 ) ، واستغلق

--> ( 1 ) دحض : زلق ( النهاية : 2 / 104 ) . ( 2 ) الغرار : النوم القليل ( لسان العرب : 5 / 17 ) . ( 3 ) الهواجر : جمع هاجِرة ؛ وهي نصف النهار عند اشتداد الحرّ ( الصحاح : 2 / 851 ) . ( 4 ) أي : كَفّها ومَنَعها ( النهاية : 3 / 159 ) . ( 5 ) أي : حَرّكه مسرِعاً ( النهاية : 5 / 157 ) . ( 6 ) تنكَّب عن الطريق : إذا عدل عنه . والمخالج : أي الطرق المتشعّبة عن الطريق الأعظم الواضح ( النهاية : 5 / 112 وج 2 / 59 ) . ( 7 ) أي تَشَمّر وجَدَّ ( النهاية : 4 / 200 ) . ( 8 ) من النجوى ؛ وهو السِرّ ما بين الاثنين والجماعة ( مجمع البحرين : 3 / 1756 ) . ( 9 ) القرينة - هاهنا - : الإنسان الذي قارنه الشيطان ، ولفظه لفظ التأنيث ، وهو مذكّر . ويجوز أن يكون أراد بالقرينة النفس ( شرح نهج البلاغة : 6 / 268 ) .